الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

48

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

إقامة دليل واضح وعذر مقبول لتخلفه ! وفي الحقيقة فإن سليمان قبل أن يقضي غيابيا ذكر تهديده اللازم في صورة ثبوت التخلف . . . وحتى هذا التهديد جعله في مرحلتين تناسبان الذنب . . . مرحلة العقاب بما دون الاعدام ، ومرحلة العقاب بالإعدام . وقد برهن " سليمان " ضمنا أنه - حتى بالنسبة للطائر الضعيف - يستند في حكمه إلى المنطق والدليل ، ولا يعول على القوة والقدرة أبدا . ولكن غيبة الهدهد لم تطل فمكث غير بعيد عاد الهدهد وتوجه نحو سليمان : فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين . وكأن الهدهد قد رأى آثار الغضب في وجه سليمان ، ومن أجل أن يزيل ذلك التهجم ، أخبره أولا بخبر مقتضب مهم إلى درجة أن سليمان نفسه كان غير مطلع عليه ، برغم ما عنده من علم ، ولما سكن الغضب عن وجه سليمان ، فصل الهدهد له الخبر ، وسيأتي بيانه في الآيات المقبلة . ومما ينبغي الالتفات إليه أن جنود سليمان - حتى الطيور الممتثلة لأوامره - كانت عدالة سليمان قد أعطتهم الحرية والأمن والدعة بحيث يكلمه الهدهد دون خوف وبصراحة لا ستار عليها فيقول : أحطت بما لم تحط به . فتعامل الهدهد " وعلاقته " مع سليمان لم يكن كتعامل الملأ المتملقين للجبابرة الطغاة . . إذ يتملقون في البدء مدة طويلة ، ثم يتضرعون ويعدون أنفسهم كالذرة أمام الطود ، ثم يهوون على أقدام الجبابرة ويبدون حاجتهم في حالة من التضرع والتملق ، ولا يستطيعون أن يصرحوا في كلامهم أبدا ، بل يكنون كناية أرق من الورد لئلا يخدش قلب السلطان غبار كلامهم ! ! . أجل ، إن الهدهد قال بصراحة : غيابي لم يكن اعتباطا وعبثا . . . بل جئتك بخبر يقين " مهم " لم تحط به ! وهذا التعبير درس كبير للجميع ، إذ يمكن أن يكون موجود صغير كالهدهد